خاطرة

مجرد وسادة

السلام عليكم ورحمة الله

السلام عليكم ورحمة الله

أستغفرالله أستغفرالله أستغفرالله ..

اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام

أنهيت فرضي وجلست في مصلاي والسكينة تغمرني وتنساب في عروقي، كيف لا وقد غمر ذلك الشعور مركز الضخ نفسه ..

مددت يدي لألتقط الوسادة التي وضعتها قبل الصلاة أمامي كسترة ..

حملتها بين راحتي وأطلت النظر في الصورة التي طبعت عليها، فسرت في جسدي عَقِب تلك النظرة رعشة قوية، بسبب نداء عجيب سمعت أصداؤه بين جنبيّ، ولم أصفه هنا بالنداء إلا مجازاً فهو لم يكن ذا صوت ..

بل كان دعوة للقرب أكثرَ و الاندماج، فلبيت دون تفكير أو تردد.

تلاشت الموجودات ثم أفقت على أصوات مختلطة وضجيج خفيف كطنين النحل، تحاملت على نفسي ووقفت مشدوهة أحاول استيعاب الزمان أو التعرف على المكان ..

أعرفه جيداً بل أعرف كل شبر فيه، ولكن كيف وصلت إلى هنا، وكيف سمح لي بدخوله، و…

لم يمهلني أحدهم بل اصطدم بمنكبي بعنف فأفقت من خواطري مرغمة، ومغتاظة من سلوكه الخالي من أي تحضر، فقد أكمل طريقه دون أن يلتفت أو يهمس بكلمة اعتذار واحدة.

ولكن لحظة أنا المدينة بالاعتذار هنا، فالعاقل لا يقف على بابٍ ثم يسهو ويتصلب ..

– باب > رددت تلك الكلمة التي قلتها للتو ..

فأكملت كمحقق جمع خيوط القضية في دهر ثم كشف الحقيقة في ليلة ..

– إنه …. باب العامود !!

نعم هو بحجارته، وصخوره، بدم الشهداء الذي لم يجف على عتباته ..

قلتها ودموعي تسيل دون توقف حتى أغرقت القميص، دموع الصدمة و دموع الفرح لم أعلم أيهما كان الأسبق ..

قرصت جلدي لأفيق أو أشعر بالألم ولكن الشعور كان يسير في اتجاهٍ آخر أو قل يطير فيه ..

سرت متحاملة على الشعور والنداء الذي لازال يدعوني إلى الدخول والتعمق ..

فدلفت إلى المدخل فازداد الضجيج وسرت فيه وكأنني أحد نبراته ..

وكأنني صرخة طفلٍ شقي أو نداء أحد المراهقين لرفيقه المفقود في الزحام أو حتى طقطقة عصاة مسن على الأرض الصخرية ..

ثم انفض الزحام لنصفين فنصف سار يميناً وقسمٌ انعطف شمالاً فانعطفت مع أصحاب الشمال متبعةً ذلك النداء الخفي في صدري ..

ثم ملت برأسي لأرى لوحة خط عليها اسم الشارع طريق الواد

-إذن فأنا في الطريق الصحيح .

فابتسمت مرغمة من ثقتي التي لم أعرف مصدرها وأردت قطع الشك باليقين، بسؤال أحد المارة ، فمددت يدي موقفة سيدة شقراء في عمر الثلاثين، بدت لي كسائحة، ولكن لا بأس فالسياح يتعرفون على كل بقعة يجوبونها ويجمعون معلوماتها بنهم، فسألتها بإنجليزيتي البسيطة إن كان هذا السوق هو سوق الواد، فلم تجب وتسمرت في مكانها لثوانٍ ثم فتحت فاها، وانطلق منه سيل من الكلمات بلغةٍ لم أسمع لها مثيلاً من قبل، فهززت رأسي كتعبير لشكري ثم سرت مسرعة ..

يا إلهي ما كان ذلك أهي من سكان جزر الواق واق، وما تلك اللهجة الغريبة، ثم قلت للنفسي أنه لا داعي للعجب فهذه المدينة قد شُكلت منه عبر التاريخ والأزمان.

أكملت سيري فوجدت مبتغاي في حانوت على رأس الشارع انحنى فيه شاب حدث السن ليساوم على قطعة ما ..

هززت كتفه برفق ليلتفت لي بشعره الأشقر وعينيه الزرقاوين التي ما إن التقت بعيني حتى قدحت بالشرر ..

ارتعدت وحاولت الاعتذار وأنا أرى يده تسير بحنق اتجاه جيبه الذي برز منه طرف مطواه ، شعرت بإحداهن تسحبني سحباً، أو تجرني جراً، فاستجبت لذلك مرغمة ولم أفق إلا وقد اختفى الشاب عن ناظري ..

فالتفت لصاحبة المعونة لأجدها شيخة طاعنة في السن تحمل على رأسها سلة برتقال بغية إيصالها لمتجر ما ..

ابتسمت لها في حرج وحاولت تبرير موقفي فقالت بلهجة صارمة – تتكلميش مع المستوطنين ..

ثم استدارت دون أن تنتنظر مني رداً وكأن ما فعلته كان جزءاً من عملها أو واجباً اعتادت على تقديمه للجاهلين أمثالي، ابتسمت ممتنة رغم ما بدا في سلوكها من جفاف ولكنه ولا ضير مليئٌ بالمروءة .

انتبهت لوقوفي وسط الشارع شاردة فرأيت عجوزاً أخرى تقف باسمة أمام كومة كبيرة من الفجل وتنادي عليه بلهجتها البسيطة سرت إليها وسألتها فأجابتني بحب ..

شكرتها وقبلت رأسها، وودت لو ابتعت منها شيئاً كجبر للخاطر، ولكن غايتي لم تكن تسمح بذلك ..

أكملت طريقي ثم انخرطت فجأة في زحامٍ شديد فعلمت أني في تقاطع طريق الواد مع طريق الآلام ،ثم تَبَاعَدت الخطوات، وقل الضجيج فرحت أتأمل الحوانيت وأسمع أنغام تسويق أصحابها تارة، وأنظر في الملابس التي تحمل الأعلام ،أو كلمات مليئة بالعزة ك* فلسطيني وفلسطينية* تارة أخرى ..

ثم مرت جواري عربة كعك مقدسي، فتبعتها مسرعة وأنا أنادي على صاحب العربة ورفيقه ..

فتوقف أحدهم والتفت لي

– ممنوع البيع هون يا خالة ..

ثم أكمل طريقه، ولكن الآخر وقف لدقائق ثم عاد لي موضحاً الموقف بعد أن رأى نظرة الغضب في عيني ..

– تزعليش الإحتلال منعه يبيع في الطرقات، كنوع من أنواع التضييق ..

ابتسمت وهززت رأسي شاكرة رغم ما غمرني من الأسى -حتى الكعك يا ….-

فانعطفت يساراً إلى مدخل سوق القطانين كما قرأت اسمه على لوحٍ مثبتٍ على بابه والنداء داخلي يصرخ – بأن قد اقتربتي ..

دخلت سوقاً موجزاً قليل الحوانيت ولكنه كثير الخير وفير البضائع ..

فرأيت في آخره قوساً حجرياً مكللاً بالنور، على طرفيه جنود مدججون بالسلاح فسرت من بينهم بهدوء ودون أن أثير فيهم أي ريبة، ثم خرجت إلى ساحة عظيمة ومتسعة فأيقنت أنني وصلت، فمددت ذارعي على اتساعها، وأخذت نفساً عمييقاً

..

وحاولت جاهدة أن أبدو متماسكة ولكن هيهات فمفاصلي غدت متصلبة ثقيلة كقوالب قرميد ولساني جاف كغصن محترق ..

ولكن هدفي مازال على بضع خطوات من تلك الأشجار المتراصة ..

مشيت بهدوء بمظهرٍ مناف تماماً لما في داخلي ..

إلى أن بانت من بين الأشجار لمعة قبة الصخرة الفاتنة والتي كانت تعكس الغروب على ظهرها كمرآة، وهنا انهار سد تماسكي ..

فجلست على أحد المقاعد وأمسكت بفمي لكي لا يثب قلبي منه ..

وأخذت أبكي وأرتعش وأنا ألهج بكلمات الحمد والثناء لخالقي وولي نعمتي بأحرف مختلطة مرتبكة إلى أن هدأت ..

ثم تحركت مع الأنسام أو هي من حملتني على كفيها ..

أتأمل جمال السماء كعادتي وأشاهد نافورة الماء وأستمع إلى مواء القطط وأقف لألتقط جزءً من حديث المسنات على العتبات وأرى لعب الأطفال وركضهم في الساحات، كانوا جزءاً من معالم الأقصى أو كانوا هم الأقصى ذاته ، فكيف يمكن لمغتصب ان يسمح لنفسه بتدنيس ذلك الجمال ونسبه لمن لا يستحقه ..

تنقلت بخفة بيت معالم المسجد فهذه البوائك التي حفظت وتلك المصاطب التي شاهدت وغيرها من مآذن وسبلٍ وقباب.

الى ان ساقتني قدماي للجامع القبلي، والذي أنهيت عنده جولتي؛ لأداء تحية المسجد قبل رفع الأذان لصلاة المغرب، فخلعت حذائي وولجت ثم رحت أجوب المسجد محاولةً توثيق كل اللحظات في داخلي دون سهوٍ عن أية تفاصيل ..

وحين انتهيت وقفت فكبرت.

الله أكبر

.

.

السلام عليكم ورحمة الله

السلام عليكم ورحمة الله

أستغفرالله أستغفر الله أستغفرالله …..

صوت جلبة في الخارج تصلبت مكاني ولم ألتفت، أعقبه صوت تكسير واقتحام ولكني لم أتحرك، ثم صوت أحدهم يصرخ بفزع: غدروا بينا، تقربوش الشبابيك..

تحركت زوبعة فاقتلعت السكينة من صفوف المصلين وصار بدلاً منها الهرج والمرج.

فبدأ اطلاق الرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع وهنا هممت بالوقوف فالهرب ..ولكني لم أستطع الحركة.

وسقطت على الأرض وأنا أحاول جاهدة التقاط أنفاسي وإحداهن تحاول في تلك الجلبة استنهاضي وجذبي، أشرت لها بيدي أن لا أستطيع فارحلي ففعلت ..

ثم مددت يدي إلى صدري، ونظرت لها فإذا هي متضجرة بالد…

ولكن لحظة، منذ متى والدماء باهتة الى هذا الحد ..

هي لمن تكن باهتة بل هي تميل للبياض ..

بل لو شئت الدقة فهي بيضاء نقية !!!

صوت باب يفتح بعنف ثم :

– اشبك تصلي سنة ..

انتبهت على صوت شيماء فنظرت إلى تلكم الوسادة فرأيتها قُلبت على ظهرها واختفت منها الصورة وظهر بدلاً منها البياض التام ..

قمت من مكاني بأنفاس ثقيلة وخطاً غير متزنة وعقلي لازال مثخناً بالأسئلة ..

عن تلك الدماء البيضاء، فقلت لنفسي :

هو لون إطار الوسادة وظهرها والذي غرقت فيه بعد أن انتهى زمن تجولي في الصورة ..

أو هو لون خيالي النقي لأجواء المسجد الأقصى والذي ينافيه الواقع بما فيه من تدنيس اليهود وشدة سطوتهم ..

أو هو لون دمي ودم كل عربي وضع القضية على رف النسيان واستعاض عنها بالتفكير في دخله ومنصبه وعياله ..

لم أستطع الحسم بإحداها فابتلعت تلك الغصص وأكملت يومي، ولكن حرصت كل الحرص ألا تقع عيني على تلك الوسادة أو ما شابهها حتى تهدأ نفسي وأنسى حلم اليقظة هذا ..

رأي واحد حول “مجرد وسادة”

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s